273- باب تحريم احتقار المسلمين

قَالَ الله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ الحجرات (11) ] .
وقال تَعَالَى : { وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ } [ الهمزة (1) ] .




♦ تعليق العلامة الشيخ فَيْصَلْ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ آل مُبَارَك رحمه الله
تطريز رياض الصالحين
----------------------------------------------------------------------

قال ابن كثير : ينهى تعالى عن السخرية بالناس ، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الكبر بَطَرُ الحق ، وغمص الناس » . ويُروى : « وغمط الناس » . والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم ، وهذا حرام ، فإنه قد يكون المحتَقَر أعظم قَدْرًا عند الله تعالى ، وأحب إليه من الساخر منه - المحتقر له - . ولهذا قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ } ، فنص على نهي الرجال ، وعطف بنهي النساء .
وقوله تبارك وتعالى : { وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ } ، أي : لا تلمزوا الناس . والهمّاز اللمّاز من الرجال مذموم ملعون . كما قال تعالى : { وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } ، والهمز بالفعل ، واللمز بالقول . كما قال تعالى : { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } [ القلم (11) ] ، أي : يحتقر الناس ويهمزهم طاغيًا عليهم ، ويمشي بينهم بالنميمة . وهي اللمز بالمقال .
وقوله تعالى : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } [ الحجرات (11) ] ، أي : لا تداعوا بالألقاب ، وهي التي يسوء الشخص سماعها .
وعن أبي جبيرة بن الضحاك قال : فينا نزلت في بني سلمة : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يَا رسول الله ، إنه يغضب من هذا . فنزلت : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } . رواه أحمد . انتهى ملخصًا .
وقال عكرمة : هو قول الرجل للرجل يَا فاسق . يَا منافق . يَا كافر .
وقال الحسن : كان اليهودي والنصراني يُسْلم فيقال له بعد إسلامه : يَا يهودي . يَا نصراني . فنهوا عن ذلك .
وقال عطاء : هو أن تقول لأخيك : يا كلب ، يا حمار ، يا خنزير .
ورُوي عن ابن عباس قال : التنابز بالألقاب ، أنْ يكون الرجل عمل السيئات ، ثم تاب عنها ، فنهي أنْ يعيّر بما سلف من عمله .
{ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } ، أي : بئس الاسم أنْ يقول له يَا يهودي ، أو يَا فاسق ، بعدما آمن وتاب .
وقيل : معناه أنَّ من فعل ما نهي عنه من السُّخرية ، واللمز ، والنبز ، فهو فاسق . وبئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان فلا تفعلوا ذلك ، فتستحقوا اسم الفسوق ، ومن لم يتب من ذلك فأولئك هم الظالمون .



♦ شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح أحاديث رياض الصالحين
-------------------------------------------------------------------

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب تحريم احتقار المسلم، احتقار المسلم ازدراؤه والسخرية به والاستهزاء به والحط من قدره وما أشبه ذلك، وهذا محرم لما فيه من العدوان على أخيك المسلم الذي يجب أن تحترمه وأن تكن له كل تقدير، لأنه أخوك والمؤمن أخو المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استدل المؤلف رحمه الله بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فوجه الله الخطاب إلى المؤمنين {يا أيها الذين آمنوا} وتوجيه الخطاب للمؤمن يدل على أن ما يتلى عليه فهو من مقتضيات الإيمان وأن فقده ومخالفته نقص في الإيمان، كما أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به، لأن النداء يعني تنبيه المخاطب لما يلقي إليه، يقول: {لا يسخر قوم من قوم} وهم الرجال {ولا نساء من نساء} وهن النساء الآيات، والسخرية قد تكون

في هيئته، يسخر من هيئة هذا الرجال، وقد يكون كذلك في خلقته، يسخر من خلقته قصرا أو طولا أو ضخامة أو نحافة أو ما أشبه ذلك ويكون كذلك سخرية بكلامه وتقليد كلامه، استهزاء وسخرية، كما يفعل بعض السفهاء، يقلد بعض القراء أو بعض العلماء، يقلد أصواتهم سخرية واستهزاء والعياذ بالله ويكون كذلك في المعاملة يسخر به في معاملته الناس وكذلك بالمشية، المهم إن كل شيء فيه سخرية في أخيك فإنه داخل في هذه الآية {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} وبين الله عز وجل أنه ربما يكون هؤلاء الذين سخروا منهم.
ربما يكونون خيرا منهم عند الله وعند عباد الله، ولهذا قال: {عسى أن يكونوا خيرا منهم} هذا في القوم {عسى أن يكن خيرا منهن} هذا في النساء {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا تعيبوها، وقول {أنفسكم} من المعلوم أن الإنسان لن يعيب نفسه، لكنه لما كان المؤمنون أخوة، صار أخوك كنفسك، فقوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} يعني لا تلمزوا إخوانكم، لكنه عبر بالنفس ليتبين أن أخوك بمنزلة نفسك فكما أنك تكره أن تلمز نفسك، تكره أن تلمز أخاك {ولا تنابزوا بالألقاب} ينبز بعضكم بعضا باللقب، سخرية به، إما أن يكون مثلا يعزي إلى قبيلة فيها شيء من اللقب المكروه، فينسبه إليها أو قبيلة فيها شيء من اللقب المضحك فينسبه إليها وما أشبه ذلك مما يكون نبذا بالألقاب، {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} يعني إنكم إن فعلتم ذلك كنتم من الفاسقين و {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} فالإنسان إذا لمز أخاه أو سخر منه أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون بذلك فاسقا وهذا يدل على أن السخرية

من المؤمنين وأن لمزهم وأن منابزتهم بالألقاب كلها من كبائر الذنوب {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} يعني من استمر على هذا ولم يتب إلى الله عز وجل فإنه ظالم، ثم ذكر المؤلف رحمه الله آية أخرى وهي {ويل لكل همزة لمزة} وويل هذه كلمة وعيد جاءت في القرآن في عدة مواضع، وكلها تفيد الوعيد والتهديد على من فعل هذا، {لكل همزة لمزة} أي يعيب غيره، تارة بالهمز وتارة باللمز، فاللمز باللسان، والهمز بالجوارح، فالهمزة اللمزة متوعد بهذا، بالويل والعياذ بالله، ثم ذكر المؤلف أحاديث يأتي الكلام عليها إن شاء الله
1574 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم رواه مسلم، وقد سبق قريبا بطوله.
1575 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس رواه مسلم.
ومعنى بطر الحق: دفعه وغمطهم: احتقارهم، وقد سبق بيانه أوضح من هذا في باب الكبر.


مع تحيات صفحة (( رياض الصالحين ))

https://www.facebook.com/abed733.abed733?fref=nf