الخطبـــــــــــة الثانيــــــــــــــــة
الحمد لله رب العالمين , والعاقبة للمتقين , ولا عدوان الا على الظالمين
وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له – الملك الحق المبين

والصلاة والسلام الأتمين الأكملين علي عبده المصطفي ونبيه المجتبي
امتثالا لقوله تعالي :

((
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ))
أمــــــــــــــــــــــــــــــــــا بعد

وإذا كان أعلى أنواع الصلة يكون بالتفقد والزيارة البدنية الفعلية،
فإنها تحصل أيضا بالتناصح، والإيثار، والانصاف، وبالبشاشة والوجه الطلق، وبالهدية، وبكف الأذى.
قال الإمام النووي - رحمه الله -:"وأما صلة الرحم، فهي الإحسان إلى الاقارب على حسب حال الواصل والموصول،
فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك".
ومن أعظم أنواع الصلة:
أن تبادر إلى زيارة من لا يبادلك الزيارة، والإحسان إلى من لا يبادلك الإحسان، فإن قَصَّر هو في جانبك، فلا تضيع أنت حقه فيك. قال تعالى:

﴿ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.


عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِى، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَىَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ:"لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ
(الرماد الحار)، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ (معين عليهم) مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ"مسلم.
ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعتْ رحمه وصلها" البخاري.


قد تجد من أخيك جفوة، وقد تعاني من أبيك غلظة، وقد تلاقي من أختك صدودا، وقد ينتابك من عمك أو خالك قسوة، وقد تفجؤك من جارك نبوة، فلا تقابل الجفاء بالجفاء، ولا الصدود بالصدود، ولا الهجران بالهجران.
ولذلك سمعنا في قول أبي ذر - رضي الله عنه-:"وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت"، أي: وإن قطعت.
عن جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- يقول على المنبر: "تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم، لأوزعه ذلك عن انتهاكه"

وَإِنَّ  الَّذِي   بَيْنِي   وَبَيْنَ   بَنِي   أَبِي        وبَيْنَ   بَنِي   عَمِّي   لَمُخْتَلِفٌ   جِدَّا
أَرَاهُمْ  إِلَى  نَصْرِي  بِطَاءً  وإنْ   هُمُ        دَعَوْنِي   إِلَى   نَصْرٍ    أَتَيْتُهُمُ    شَدَّا
فَإِنْ  أَكَلُوا  لَحْمِي  وَفَرْتُ  لُحُومَهُمْ        وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ  مَجْدا
وَلاَ  أَحْمِلُ   الْحِقْدَ   الْقَدِيمَ   عَلَيْهِمُ        وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ  الحِقْدَا
لهُمْ  جُلُّ  مَالِي  إِنْ  تَتَابَعَ  لِي   غِنًى        وَإِنْ  قَلَّ  مَالِي   لَمْ   أُكَلِّفْهُمُ   رِفْدَا


ومن أعظم الصلة - أيضا - تفقد أهل أبيه وأصحابه.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّه، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. فقال له أصحابهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:"إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ، صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" مسلم.